سجن الكاتب

img_0494

 

بقلمي ✍️ بدرية حمد

 

” إن كثيرا من القراء ، خاصة في مجتمعنا ، لا يفصلون كثيرا بين الادب والواقع ، فكثيرا ما يظنون ان الكاتب عندما يكتب أدبا فإنما يتحدث عن نفسه أو عن أناس رآهم بعينيه ( خاصة ان اجاد التعبير أو استخدم ضمير المتكلم في الرواية ) ناسين ان من أهم المواصفات التي ينبغي ان يتصف بها الانسان لكي يصبح كاتبا هي ان تكون لديه قدرة على التحليل والتعبير بما يجعل مواقفه التي يصوغها وانفعالات شخصياته اكثر اقناعا وتأثيرا “.

قد يعجب البعض اذا علم ان تلك الفقرة مأخوذه من مقدمة رواية ( أشجار البراري البعيدة ) للكاتبة الروائية القطرية دلال خليفة ، ووجه الغرابة يكمن في اننا لم نعتد على قراءة مقدمات مشابهة لتلك في اعمال كتاب آخرين .. وهذا ان دل على شيء فإنما يدل على معاناة الكاتب من ذلك السجن الذي يزج فيه من قبل القراء دون وعي منهم ، فبعض القراء وفي مجتمعنا خاصة يتصفون بضيق الأفق حيث يفسرون كل موضوع وكل جملة يكتبها الكاتب على أنها نتاج لتجربة شخصية ، وربما تفسيرهم ذلك نابع من فضول القارىء لمعرفة كل مايتعلق بحياة الكاتب الشخصية مما يجعله يظلم الكاتب كثيرا في تقييمه لكتاباته المختلفة وكل ذلك بسبب جهل أو تناسي القارىء لما يعرف بالخيال الخصب أو مشاركة الكاتب للآخرين وجدانيا .

ينكب الكاتب على ورقته ويسترسل في الكتابة وما أن يضع نقطة الخاتمة حتى يشعر بالراحة والتي ماتلبث أن تتحول إلى كابوس عندما يتخيل موضوعه منشورا وعيون القراء تلاحق شخصه خلف كل جملة وكل عبارة ، ويبدأ الكاتب بشطب جمل وتغيير جمل اخرى ، وما ان ينتهي من اخراج الموضوع بالشكل الذي يعتقد انه لن يحتمل اي تأويل من قبل القراء حتى يشعر بأحباط وعدم رضا وكأنه يقرأ موضوعا لم يخطه قلمه ولم يبدعه عقله أو تلده أحاسيسه !

وقد عشت داخل ذلك السجن لفترة بسيطة بعد أن قمت بنشر بعض خواطري في احدى الجرائد المحلية والتي اتسمت بالمشاعر الملتهبة على حد تعبير البعض ، وفاجأتني صديقة قديمة بعبارتها الغريبة ” انت ترى مب هينة ” .. ارعبتني الجملة لكونها من صديقة قديمة تعرفني جيدا فماذا يقول الآخرون ؟

ورغم ايماني ان الحب والمشاعر الملتهبه العفيفة ليست محرمة الا انني رفضت أن توصف مشاعري العذراء بالتجربة والخبرة !

اضطرني ذلك الموقف فيما بعد أن أذيل عمل لي بعبارة توضح للقراء بانه قد تكون تلك الكلمات من خواطري أو خواطر أي امرأة أخرى ، وندمت بعد ذلك ولم اكرر تلك العبارة وقلت في نفسي ( يقولون اللي يقولونه ) فأنا أرفض أن تجتمع الكتابة بالخوف أو التردد لأنه في اعتقادي ان من المبادىء التي يجب ان يؤمن بها اي كاتب لكي يحقق النجاح هو أن تكون الكتابة وسيلة لمحاربة ذلك الخوف وذلك التردد .

الا تعتقدون معي ان اسلوب المقدمات التوضيحية او العبارات الهامشية انما هو تعبير عن ذلك الخوف والتردد واللذين يجب أن يترفع عنهما قلم أي كاتب ؟

والا تعتقدون ايضا انهما دليلان على أن الكاتب استسلم لحكم القارىء بسجنه ؟

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s