خروف متعلم ..

images (1)

 

خروف متعلم ..

بقلمي ✍️بدرية حمد

 

 

كرسي وطاولة عليها كتاب وقلم ، يجلس المتعلم على ذلك الكرسي اكثر من ست ساعات يوميا وأمامه معلم يردد ما هو مكتوب في ذلك الكتاب ثم يلخص كل ما قاله على تلك السبورة وبعد شهور قليلة يتقدم كل متعلم لأجراء اختبار لقوة ذاكرته فيسترجع كل ما حفظه من ذلك الكتاب على ورقة الامتحان .. يعيش لأيام في قلق خوفاً من فشل تلك الذاكرة ، وما ان تنجح ذاكرته  في استرجاع المعلومات في يوم الامتحان حتى يكون متفوقا في نظر نفسه واهله ومجتمعه بدليل الدرجة التي حصل عليها وبعد ذلك يركل كل ما خزنه من معلومات في ذاكرته استعدادا لاستقبال الكتاب الجديد في العام الدراسي الجديد ، هذا حال التعليم في مجتمعنا ، تتكرر تلك الصورة في جميع المراحل الدراسية وتستمر حتى المرحلة الجامعية وحتى مرحلة الدراسات العليا عند بعض الاساتذة للأسف .

عندما قررت خوض تجربة الدبلوم الخاص في التربية عاهدت نفسي الا اقلق لان هدفي كان الاستفادة والاستمتاع وليس الشهادة فقط ، قررت ان اعيش تجربة مختلفة عن تجربة البكالوريوس وقد ساعدني في ذلك احد الاساتذة الذين استقبلوني في بداية التحاقي ، تعلمنا منه الكثير وتعلم منا ليثبت لنا ان المعلم والمتعلم كلاهما مصدر للمعرفة ، علمنا ان السبيل الامثل للتعلم هو المناقشة القائمة على اساس اختيار المتعلم للموضوع المطروح للمناقشة بحيث يكون اختياره نابعا من احتياجاته .. لا يعترف بشيء اسمه كتاب مقرر او مرجع فكل اوعية المعلومات في المكتبة في نظره مراجع للمقرر ، لم يفضل ان نطلق على لقائنا ( محاضرة ) فنحن نلتقي لنتعلم من بعضا البعض لا لنحاضر .. لنتحدث .. لنثرثر وفي ثرثرتنا نختلف في الآراء ولكي نصل الى افضل رأي ، كنا نتسابق للمكتبة ونبحث ونعود لنلتقي مرة اخرى وفي يد كل منا اثبات لرأيه وما ان نتفق حتى ندخل في اختلاف جديد ونعاود البحث وهكذا .

كنا نفعل ذلك برغبة منا ونحن نشعر بكل المتعة ، متعة الافادة والاستفادة .

قد يسمى المقرر كذا وكذا لكنه علمنا ان مقررنا لا تحده حدود ولا يتجزأ من التربية بل هو كل التربية .

تعلمنا منه ان الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية وما اكثر ما اختلفنا في الآراء ، كان له وجهة نظر اختلفت بسببها معه في الرأي ( مشكلتنا الكبيرة اننا رديئوا الاستماع كأننا خرفان نهز رؤوسنا اشارة منا بالفهم ونحن في الحقيقة لم نفهم شيئا ) اختلفت معه في  ذلك الرأي ( لماذا لا تكون رداءة الاستماع بسبب رداءة حديث الطرف الآخر ؟ ) وبقينا مختلفين كل مقتنع برأيه .. وبقي طيف الخروف وهو يهز رأسه لا يفارقني ، وفي احدى محاضرات استاذ آخر شرح لنا كيفية عمل الواجب لكني وزميلتي لم نفهم المطلوب وخجلنا من سؤال الدكتور لا نه شرح لنا المطلوب اكثر من مرة وهنا لاحظت احدى الطالبات وهي تنظر له بتركيز وتهز رأسها اشارة منها على الفهم ففرحت وقلت لزميلتي تلك هي المنقذة ، وما ان سألتها عما قاله الدكتور حتى اجابتني بنظرة هادئة وقالت ( ما دري .. ما فهمت ايش يـــــبي ) !!! فعاد طيف الخروف وهو يهز رأسه وقلت لزميلتي ( لا فائدة انها ……) وضحكنا .

علمتني الايام ان لا ابدي رأيي في اي نقاش الا مع فئة معينة من الناس ، مع الذين اشعر بفائدة النقاش معهم ، ليس لأنهم يقتنعون بوجهة نظري بل لأنهم يجيدون الاستماع ولأنهم يحاولون فهم المغزى من كلامي وان اختلفوا معي في وجهة نظري تلك ، لان المستمع الجيد يستطيع ان يكون محدثا جيدا واذا توفرت هاتان الصفتان في رفيق النقاش كان النقاش ناجحا ، جيدا ومثمرا يتحقق فيه عنصرا التأثر والتأثير  .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s