” .. ليس لأنكِ أمي .. “

ليس لأنكِ أمي ..
بقلمي ✍️ بدرية حمد

في 1944 ولدتِ لأم وأب كبرا في السن وكبرت معهما القناعة بأن الله لن يكتب لهما الذرية وفجأة كافأهما الله على صبرهما بقدومك ولم تكوني هدية عادية من السماء لذلك الرجل المسن وتلك المرأة الأربعينية  ، بل عطية من الله ونعمة للكثير من الناس ، أناس شملتهم رعايتكِ وحنانك ِوالرحمة التي زرعها الله في قلبك للقريب والغريب ، والضعفاء من حولك ِ .

لم تكوني إمرأة عادية ” ليس لأنك أمي ” بل لأن ذلك حقيقة لا ينكرها من عاشرك أو سمع عنك ، بدءاً بجمالك الغريب على امرأة من أصول قطرية لم تخالطها أصولا أخرى ، قطرية ذات شعركالحرير عسليَّ اللون تمتزج به خصلات ذهبية وعينان لوزيتان واسعتان بلونها العسلي الذي تعانقه خيوط رمادية رفيعة وبشرة كاللبن في بياضها وصفاءها ، وأنفاً كأنه رسم بريشة فنان وشفاه وردية متوجة ببدر أسود اختار أن يستقرفوقها في مكان مدروس ليبرز جمال تلك الشفاه .    

ذكريات طفولتي في عشقي لجمالك كثيرة ولا أنسى تلهفي على أوقات الصلاة لأجلس مقابلة لك ِ وأنت تصلين وأتمعن في ذلك الجمال وتفاصيله فهو الوقت الوحيد الذي يتخلص فيه جمالك من قيود ( البطولة ) التي تحجبه عن الآخرين طوال اليوم ، وأتساءل لماذا لم أحظ ولو بجزء من ذلك الجمال ؟ ألستِ أمي ؟ ألستُ أبنتك التي وهبتِها أسمها باختيارك ( بدرية ) أسما لها؟ لم أحبه بداية فهو اسماً غريباً في عائلتنا التي لا تطلق غير الأسماء القطرية القديمة على بناتها إلا أنني أحببته لاحقا عندما علمت أنك من إختاره ، وبسببه كنت المقربة منك فلم تدللي اسماً غير اسمي فلقبتني ( البدره) اسم الدلع الذي أتباهى به بين شقيقاتي .          

لم تمسك يدكِ قلما ولم تقرأ عيناكِ حرفا لكنكِ كنت مدرسة في الأخلاق تعلم منكِ الجميع دروساً في الصبر والحكمة والطيبة والكرم ودروساً في كيفية صنع الفرح ، لم تودعك الابتسامة رغم آلامك منذ ودعت والدك في صغرك واعتنيتي بوالدتك الضريرة منذ كنت طفلة يتيمة فكان يضرب بكِ المثل في بر الوالدين ، أصبحت أماً ولم تتعدي الرابعة عشر من عمرك فكنت نعم الأم الحنون التي توزع حنانها علينا طوال اليوم . كنت أتسلى بمراقبتك وانا طفلة فوجدتك باختصار “مختلفة “عن باقي النساء في كل شيء ، لم اكن أعلم معنى الجنة إلا إنَّها مكان للطيبين ولم أعرف معنى الملائكة إلا إنهم مخلوقات طيبة فكان هناك صوتا يحدثني ” أمك ملاكُ من أهل الجنة ” فكبرت وأنا مطمئنة لأنك من أولئك الطيبين .                              

أذكرك قليلة الكلام وفي قلة الكلام حكمة لم أستوعبها إلا عندما كبرت ، ومن حكمتك أنك اختزلتي كتبا من النصائح في نصيحة واحدة كنت ترددينها طوال حياتك “عليكم بالصبر” فتعلمت بعدها أننا بالصبر نقوى على مواجهة الحياة .                                

الأربعاء 23/9/2020 الثامنة والنصف مساء سيبقى تاريخاً محفوراً في ذاكرتي ماحييت ، فارقتنا روحك الطاهرة وبقي جسدك تحتضنه برودة ذلك المكان الموحش الذي يسمى (المشرحة ) ،وصلتك وأنا مكسورة الفؤاد لأجد جسدك ممداً على حامل معدني دون فراش لين يقي ظهرك الضعيف ، كان وجهك ملفوفا بغطاء يكتم أنفاسك وقدماك ويداك مقيدتان بقيود، غضبت في داخلي لماذا يفعلون ذلك بك ألا يعلمون أنك فراشتي التي لا تحب القيود ولا تقبلها أبداً ؟ بكيت بحرقة لكن ذلك الصوت عاد لي مرة أخرى ليوقف بكائي وغضبي ( لماذا تبكين أنسيتِ أن أمك ملاك من أهل الجنة ؟ ) هدأت واحتضنتك الحضن الأخيرلكنك لم تحيطيني بذراعيك ليضمني صدرك الدافىء .                    

في اليوم التالي كان لنا لقاء آخر، لقاء الوداع الاخير، فلا بد أن تجهزي للقاء ربك فكنت في أوج حماسي لهذا اللقاء حتى أني وصلت المقبرة قبلك .كنت أعلم أني سأزور هذا المكان لا محاله لكني لم أعلم من سيكون السبب في أولى زياراتي له ، لم يكن المكان مخيفا كما كنت أعتقد ، وقفت أراقب القبور وأنا في انتظارك وأتساءل في أي إتجاه سيكون قبرك ومن سيكون جارك ؟ وددت أن أطل فيه بعد أن زارني ذلك الصوت مرة أخرى ليبشرني ( قبرها سيكون روضة من رياض الجنة بإذن الله) ، إطمئن قلبي أكثر رغم أنه كان مطمئنا طوال حياتي أن قبرك سيكون أكثر راحة لك من دنياك ، عدت لغرفة غسل الموتى لأستقبل جسدك الطاهر، كان المكان شديد البرودة خشيت على جسدك من برودة المكان المخصص لغسله ، رفعوا جسدك فطلبت منهم أن ينتظروا حتى ندفّىء المكان لكنهم لم يعيروني اهتمام فتذكرت أنك فقدت الاحساس ، بسرعة بدأت أفك القيود عن معصميك وأنا أتأفف ( ما أقساهم لماذا يحكموا عليك القيود بهذه القسوة ) التفتُّ على القائمات على شؤون غسل الموتى واستطردت في التذمر( أمي لا تطيق أن يضغط على جسدها شيء ) لكنهن لم يعيروني أي اهتمام فتذكرت مرة أخرى أنك فقدت الاحساس بكل شيء .
( يا إلهي كم أنتِ جميلة يا أمي ) لقد عدت شابة مرة أخرى وجهك مشدود وملامحك محددة الشكل ، كنت سعيدة وأنا ألمس وجهك الذي عشقته ، علقت المرأة بجانبي ( إنها تشبهك ) ضحكت ( لااا.. جمالها لن يتكرر ) ثم استطردت ( هي إمرأة لن تتكرر ) .              

تحدثت مع روحك القريبة منا وأخبرتها أني لستُ حزينة على فراقها لأنها ستذهب لمكان أفضل وسيستقبلها أحبابها الذين ودعتهم منذ زمن وحزنت لفراقهم ، ستلتقي والدتها ووالدها وأبنتها التي فقدتها وهي في العاشرة من عمرها وستكون صاحباتها في إستقبالها ، ستنطلق كالفراشة الملونه فقدماها ستتخلص من الكرسي المتحرك التي سجنت فيه أكثر من عشرين عاما ، لن تعاني من جلطات مرة أخرى ولن تؤذي إبر الأنسولين جلدها الرقيق.

كان آخر واجباتي هو أن أمشط بقايا شعرك وأصنع لك ظفيرتين وألف حجابك الأبيض الذي تساوى مع لون وجهك المضيء ( أصبحت كالعروس يا أمي وستزفين قريبا ) ضحكنا وقبلنا جبينك جميعنا .
لم أستغرب أن محبيكِ كُثُر و سيضربون بالخوف من كورونا عرض الحائط وسيتوافدون لتوديعك فقد امتلأ المسجد للصلاة عليك وتزاحمت الأجساد حول قبرك للدعاء لكِ ونافس الشباب أحفادك لرفع جسدك ووضعه في مأواه الأخير، حضر دفنك أناس لا نعرفهم ، أناس أحبوك لحب جداتهم وأمهاتهم لك فكل من عرفك أو سمع عنك أحبك “ليس لأنكِ أمي” ولكنها حقيقة لا ينكرها أحد .
اللهم ارحمها وارحمنا وصبرنا على فراقها وأنت خير الراحمين .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s